ابن عجيبة

207

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم ذكّرهم بنعمة اللباس ، الذي عوضهم به في الدنيا عن لباس الجنة ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 26 ] يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 26 ) قلت : من قرأ : ( لباس ) ؛ بالرفع ؛ فهو مبتدأ ، والجملة : خبر ، والرابط : الإشارة ، والريش : لباس الزينة ، مستعار من ريش الطير . يقول الحق جل جلاله : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً أي : خلقناه لكم بتدبيرات سماوية وأسباب نازلة ، ونظيره : قوله تعالى : وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ « 1 » ، وقوله تعالى : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ « 2 » . من صفة ذلك اللباس : يُوارِي أي : يستر سَوْآتِكُمْ التي قصد إبليس إبداءها ، ويغنيكم عن خصف الورق . روى أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ، ويقولون : لا نطوف في ثياب عصينا اللّه تعالى فيها ، فنزلت . ولعل ذكر قصة آدم تقدمة لذلك ؛ حتى يعلم أن انكشاف العورة أول سوء أصاب الإنسان من الشيطان ، وأنه أغواهم في ذلك كما أغوى أبويهم . قاله البيضاوي . وَرِيشاً أي : ولباسا فاخرا تتجملون به وَلِباسُ أي : وأنزلنا عليكم لباس التَّقْوى ؛ وهي خشية اللّه تعالى ، أو الإيمان ، أو السمت الحسن ، واستعار لها اللباس ؛ كقولهم : ألبسك اللّه لباس تقواه ، وقيل : لباس الحرب . ومن قرأ بالرفع ؛ فخبره : ذلِكَ خَيْرٌ أي : لباس التقوى خير من لباس الدنيا ؛ لبقائه في دار البقاء دون لباس الدنيا ؛ فإنه فإن في دار الفناء ، ذلِكَ أي : إنزال اللباس من حيث هو خير مِنْ آياتِ اللَّهِ الدالة على فضله ورحمته ، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فيعرفون نعمه ، فيشكرون عليها ، أو يتعظون فينزجرون عن القبائح . الإشارة : اللباس الذي يوارى سوءات العبودية - أي : نقائصها - هي أوصاف الربوبية ونعوت الألوهية ؛ من عز وغنى ، وعظمة وإجلال ، وأنوار وأسرار ، التي أشار إليها في الحكم بقوله : « لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساوئك ، ومحو دعاويك ، لم تصل إليه أبدا ، ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه غطى وصفك بوصفه ، ونعتك بنعته ، فوصلك بما منه إليك ، لا بما منك إليه » . والريش هو بهجة أسرار المعاني التي تغيب ظلمة الأواني ، أو بهجة الأنوار التي تفنى الأغيار ، ولباس التقوى هي حفظه ورعايته لأوليائه في الظاهر والباطن مما يكدر صفاءهم أو يطمس أنوارهم . واللّه تعالى أعلم .

--> ( 1 ) من الآية 6 من سورة الزمر . ( 2 ) من الآية 25 من سورة الحديد .